الراغب الأصفهاني

252

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ذكر من يصلح لوعظ العامة لا يصلح الحكيم لوعظ العامة لا لنقص في الحكيم بل لنقص في العامي « 1 » فلن ترى الشمس أبصار الخفافيش ، وأيضا فبين الحكيم والعامي من تنافي طبعيهما وتنافر شكليهما من النفار قريب مما بين الماء والنار والليل والنهار ، وقد قيل لسلمة بن كهيل ما لعليّ رضي اللّه عنه رفضته العامة وله في كل خير ضرس قاطع ؟ فقال : لأن ضوء عيونهم قصر عن نوره والناس إلى أشكالهم أميل ، وبهذا النظر لما قال جاهل لحكيم إني أحبك فقال له : نعيت إليّ نفسي فقيل له ولم ذلك ؟ فقال لأنه إن صدق فليس ميله إليّ إلا لنقيصة بدت من نفسي لنفسه فأنست بها وعلى هذا قول الشاعر : لقد زادني حبا لنفسي أنني * بغيض إلى كل امرئ غير عاقل فحق الواعظ أن تكون له مناسبة إلى الحكماء ليقدر على الاقتباس عنهم والاستفادة منهم ، ومناسبة إلى الدهماء حتى يقدروا بها على الأخذ منه كالوزير للسلطان الذي يجب أن يكون فيه أخلاق الملوك وتواضع السوقة ليصلح أن يكون واسطة بينه وبينهم ، وكالنبي الذي جعله اللّه من البشر وأعطاه قوة الملك ليمكنه أن يأخذ عن الملك ويمكن البشر أن يأخذوا عنه وإلى هذا أشار تعالى بقوله : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا « 2 » تنبيها أنه ليس في وسعهم التلقي عن الملك ما لم يتجسم فيصير في صورة رجل . فإذن حق الواعظ أن تكون له نسبة إلى الحكيم ونسبة إلى العامة يأخذ منه ويعطيهم كنسبة الغضاريف إلى اللحم والعظم جميعا ، ولولاها لما أمكن العظم أن

--> ( 1 ) في ط اضطراب يخل بالمعنى إذ الموجود فيه « لا يصلح الحكيم إلا لنقص الحكيم لا لنقص العامي » ومن عجب أن يصور هذا في عدة طبعات . ( 2 ) الأنعام / 9 .